"وَصارَ في بَيروتَ عَجَباً: أنَّ واحِداً مِنَ النَصارى استأجَرَ بَيتَاً لِسَكَنِهِ مُدَّةَ سَنَةٍ. وَلَمَّا كَمُلَتِ السَنَةُ مَضى وَاشتَرا لَهُ بَيتَاً آخَرَ. وَكانَ عِندَهُ أيقونَةٌ في بَيتِهِ الأَوَّلِ مُصَوَّراً فيها المَسيحُ مَصلوباً. فَسَهى عَن أخذِها وَمَكَثَت في مَكانٍ في ذَلِكَ المَنزِلِ.
وَهَذا البَيتُ مَضى واحِدٌ يَهودِيٌّ وَاستَأجَرَهُ. وَبَعدَ عُبورِ زَمانٍ قَليلٍ كانَت امرَأةُ ذَلِكَ اليَهوديِّ حامِل فَوَلَدَت فاجتَمَعَ في وِلادَتِها يَهوداً كَثيرينَ. فَفي حالِ جُلوسِهِم في البَيتِ تَفَرَّسوا فَراووا أيقونَةَ الصَلبوتِ فَوقَ رؤوسِهِم. فِلِلحينِ نَهَضوا بِغَضَبٍ أولَيكَ اليَهودُ لِيَهرُبوا مِن هُناكَ. فَقالَ لَهُم صاحِبُ البَيتِ اجلِسوا يا أخوَةُ لِنَفرَحَ وَنُسَرَّ. فَأجابوهُ أولايكَ بِغَضَبٍ: أنتَ كافِرٌ ناصِريٌّ مُتَجاوِزٌ الشَريعَةَ لا يَجوزُ لَنا أن نأكُلَ مَعَكَ خُبزاً. فَأجابَهُم وَقالَ لَهُم: ألَعَلّي أنا ناصِريٌّ؟! أجابوهُ اليَهودُ: نَعَم نَصرانِيٌّ أنتَ وَبتومِن بِيَسوعَ الَذي صَلَبوهُ آباونا. وَهَذِهِ صورَتُهُ عِندَكَ بتِسجُد لَها. قالَ لَهُم: وَحَقّ إلاهِ آباينا إبراهيمَ وَإسحَقَ وَيَعقوبَ، لا عِلمَ لي بِها أصلاً، لَكِن الآنَ عَرِفتُ أنَّ النَصرانِيَّ الَذي استَأجَرَ هَذا البَيتَ قَبلي نَسِيَها هاهُنا. وَانا لي أيَّاماً قَليلَةً أتَيتُ الى هُنا وَسَكَنتُ وَما رَأيتُها وَلِكَيْما تُصَدِّقوني خُدوها واعمَلوا بِها ما تُريدونَ. فَقالوا لَهُ الَيهودُ: إن أرَدتَ أن نُصَدِّقَكَ أنتَ أوَّلاً، إصنَع بِها سوءاً. وَلِلحالِ مِن غَيرِ تَباطؤٍ أخرَجَ داكَ سِكِّينَتَهُ، وَقالَ: هاهُنا مَوضِعُ الطَعنَةِ، سَأطعَنُ أنا. وَطَعَنَ الأيقونَةَ بِجَسارَةٍ في الجَنبِ الأيْمَنِ. وَلِلحالِ كَمِثلِ حَيٍّ انفَتَحَ الجَنبُ وَخَرَجَ مِنهُ دَماً كَثيراً..."
هوَذا ما أورَدَهُ حَرفِيَّاً المؤَرِّخُ البَطرِيَركُ مَكاريوسُ إبنُ الزَعيمِ (1647-1672) في مَخطوطِهِ "الدُرُّ المَنظومُ في أخبارِ مُلوكِ الرومِ"، المُتَرجَمِ عَن كِتابٍ بِاليونانِيَّةِ ألَّفَهُ مُعاصِرُهُ مَتَّى جيغالا (المُتَوَفي سَنَةَ 1643). والكِتابانِ يَرويانِ أُعجوبَةَ أيقونَةِ بَيروتَ كَما أورَدَها القِدِّيسُ جِرمانُسُ بَطرِيَركُ القُسطَنطينِيَّةِ (634-733)، المُتَصَّدي لِمُحارِبي الأيقوناتِ بِقيادَةِ الإمبراطورَ البيزَنطيَّ لاوُنَ الثالِثَ الأيصوري (717-740).
وَكانَ رَوى الأُعجوبَةَ دانيالُ الروسِيُّ، الهيغومانُ أيّ رَئيسُ أديرَةٍ روسِيَّةٍ، ضِمنَ 13 مَخطوطَةٍ لِحَجِّهِ الى الأراضيَ المُقَدَّسَةِ (1106-1107)، طُبِعَت مُتَرجَمَةً مِنَ الروسِيَّةِ الى الفَرَنسِيَّةِ (جنيف 1889).
وأثبَتَها المونسِنيورُ Mislin Jacquesالآتي حاجَّاً الى الشَرقِ مَعَ دوقِ وَدوقَةِ Brabant، مَن أصبَحا فيما بَعدَ مَلِكَ بِلجيكا وَمَلِكَتَها (1848)، وَهوَ إستَقاها مِن "مَجموعَةِ المَجامِعَ المَسكونِيَّةِ" آنَذاكَ. وَعِندَ إستِفسارِهِ عَن مَصدَرِ الأيقونَةِ، عَلِمَ "أنَّ نيقوديمُسَ الفِرّيسيَّ مِن مَحفَلِ اليَهودِ، مَن آمَنَ بِالمَسيحِ وَقامَ مَعَ يوسُفَ بِدَفنِهِ، رَسَمَها. وإنتَقَلَت الى عَدَدٍ مِنَ الأشخاصِ مِنهُمُ القِدِّيسَينِ بولُسَ وَيَعقوبَ..."
المُصالَحَةُ الميتافيزيقِيَّةُ
أهيَ بَيروتُ الأُعجوبَةُ؟
هيَ لَيسَت المَصيرَ العارِضَ الخائِفَ مِنَ المَوتِ، مِنَ الطَعنِ بِهِ لِإبتِكارِ التَحَرُّرِ مِنهُ.
هيَ بَيروتُ لبنانُ، المُصالَحَةُ الميتافيزيقِيَّةُ مَعَ الكَيانِ الإنسانِيِّ: الخُلودُ في الجَوهَرِ لا في الوجودِ فَحَسبَ.
هيَ بَيروتُ-لبنانُ حارِسَةُ الخَلاصِ-بِالقيامَةِ، مِن الإلحادِ مَهما تَجَبَّرَ لامُبالاةً في النُكرانِ والإنكارِ والتَنَكُّرِ.
ها شَهادَةُ البَطرِيَركِ مَكاريوسَ وَمُعاصِرِهِ جيغالا: "وَلَمَّا نَظَروا اليَهودُ ذَلِكَ آمَنَ مِنهُمُ كَثيرينَ، والبَقِيَّةُ لَبِثوا في عَدَمِ إيمانِهِمِ..."
وَها شَهادَةُ المونسِنيورَ Mislin : "فَورَ رؤيَتِهِمِ لِلماءِ والدَمِّ الَلذَينِ فاضا مِنَ الأيقونَةِ، جَمَعوا ذَلِكَ في وِعاءٍ وَأخَذوهُ الى الكَنيسِ وَرَشّوهُ عَلى المَرضى، كالعُميانِ والمَجذومينَ والمَشلولينَ، فَتَمَّت بِفَضلِهِ عَجائِبَ كَثيرَةً..."
دانيالُ الروسِيُّ يُسَمِّيها، بَيروتَ: "مَحَجَّةُ الأرضِ المُقَدَّسَةِ".
لبنانُ-بَيروتُ! بَيروتُ الأيقونَةُ!






















































